البرلمان العراقي أمام اختبار سياسي جديد مع التصويت على حكومة الزيدي

يشهد البرلمان العراقي اليوم محطة سياسية مفصلية تتمثل في التصويت على منح الثقة لحكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، في خطوة تأتي بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة بين القوى السياسية، والتي اتسمت بتباين حاد في المواقف حول تقاسم الحقائب الوزارية وتوزيع النفوذ داخل الدولة.
وقد رافقت هذه المفاوضات أجواء من التوتر السياسي، خصوصاً مع استمرار الخلافات بين الكتل حول الأوزان السياسية داخل الحكومة المقبلة، إلى جانب تصاعد الجدل بشأن تأثير التدخلات الخارجية، لا سيما الأمريكية، في ملف مشاركة بعض الفصائل المسلحة في التشكيلة الوزارية.
وبحسب جدول أعمال البرلمان، فإن الجلسة ستنحصر في بند واحد يتعلق بالتصويت على البرنامج الحكومي والكابينة الوزارية، في حين تشير التوقعات إلى أن جزءاً كبيراً من الحكومة سيتم تمريره اليوم، مقابل تأجيل حسم عدد من الوزارات العالقة إلى مراحل لاحقة بسبب استمرار الخلافات السياسية.
وتُعد الحكومة المرتقبة بقيادة الزيدي التاسعة منذ عام 2003، وهي تأتي في مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة للغاية، حيث تواجه تحديات كبرى أبرزها ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى الملفات العالقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وإقليم كردستان، وقضايا النازحين والتعويضات، والخلافات المزمنة حول قانون النفط والغاز.
وفي سياق تشكيل الحكومة، برزت تحركات متعددة بين القوى السياسية لتسمية مرشحيها، إذ جدد الحزب الديمقراطي الكردستاني ترشيحه لوزير الخارجية الحالي فؤاد حسين، كما قدم ريباز حملان لوزارة الإعمار والإسكان ضمن حصته الوزارية.
وفي المقابل، دفع ائتلاف “الإعمار والتنمية” باسم محمد شياع السوداني بترشيح باسم محمد لوزارة النفط، في واحدة من أكثر الحقائب إثارة للتنافس السياسي خلال الفترة الماضية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية.
ويُعد المرشح أحد الكوادر الفنية العاملة في وزارة النفط، حيث يشغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الاستخراج، وقد جاء ترشيحه نتيجة ضغوط سياسية وشعبية من نواب محافظة البصرة، الذين طالبوا بزيادة تمثيل المحافظة في الوزارات السيادية، ولوح بعضهم بمقاطعة جلسة منح الثقة في حال عدم تلبية هذه المطالب.
كما شهدت الكواليس السياسية لقاءات بين أطراف حكومية ووفود من نواب البصرة ومحافظها أسعد العيداني، جرى خلالها التأكيد على أهمية ترشيح شخصيات من أبناء المحافظة في المناصب النفطية، باعتبارها مركز الثقل الاقتصادي للبلاد.
وعلى مستوى توزيع الوزارات، تشير التفاهمات السياسية إلى شبه اتفاق بين القوى الكبرى على توزيع معظم الحقائب، حيث حصل ائتلاف الإعمار والتنمية على وزارة الكهرباء، بينما ذهبت وزارة التعليم العالي والصحة إلى ائتلاف دولة القانون، ووزارة النقل إلى منظمة بدر، ووزارة الموارد المائية إلى تحالف تصميم.
وفي الإطار نفسه، أعلن تيار الحكمة ترشيح فالح الساري لوزارة المالية، وصفاء الكناني لوزارة الشباب والرياضة، ضمن حصته في الحكومة الجديدة.
ويرجح أن تشهد جلسة البرلمان التصويت على نحو 17 وزيراً من أصل 23، وفق ما أشار إليه نواب مطلعون، مع استمرار العمل على حسم الوزارات المتبقية لاحقاً.
وفي المكون السني، أعلنت كتلة “تقدم” ترشيحاتها لوزارتي الصناعة والتربية، فيما توزعت باقي الحقائب السنية بين قوى سياسية مختلفة ضمن تفاهمات داخل “المجلس السياسي الوطني”، الذي قسّم الوزارات بين عدة أطراف، شملت التجارة والدفاع والثقافة والتخطيط.
ورغم هذه التفاهمات، لا تزال بعض الملفات عالقة، خاصة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ومناصب نواب رئيس الوزراء، في ظل استمرار الخلافات السياسية والضغوط الدولية المتعلقة بإبعاد شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة عن المناصب الحساسة.
كما حصل الاتحاد الوطني الكردستاني على وزارة العدل، في حين ذهبت وزارة الهجرة والمهجرين إلى المكون المسيحي ممثلاً بحركة بابليون، بينما تم ترشيح وزارة الاتصالات ضمن حصة “كتائب الإمام علي”.
وفي سياق متصل، تحدثت بعض القيادات السياسية عن وجود ما وصفته بـ“فيتو أمريكي” يحد من مشاركة بعض القوى السياسية في الحكومة الجديدة، خصوصاً تلك المرتبطة بالفصائل المسلحة، وهو ما أدى إلى تعقيد حسم بعض الحقائب الوزارية حتى الآن.
كما برز اسم الليث الخزعلي مرشحاً لمنصب نائب رئيس الوزراء، في إطار تفاهمات سياسية متقدمة، وسط استمرار الجدل حول شروط دولية تتعلق بتركيبة الحكومة العراقية المقبلة.
وتشير التقديرات السياسية إلى أن البرلمان قد يمنح الثقة للحكومة بالأغلبية البسيطة، على أن تُستكمل التشكيلة الحكومية لاحقاً بعد العطلة التشريعية، بما يسمح بمواصلة التفاوض بين الأطراف السياسية المختلفة حول الوزارات المتبقية.




